نحن وثقافة اللوم .. إلى متى؟

ديما علم

نتحدث كثيرا عن ثقافة العيب ودورها في تراجع مجتمعاتنا، والحقيقة أنه ومنذ مدة تراودني فكرة مختلفة ولا أظنها تقل خطورة عن فكرة ثقافة العيب, وهي ان ما يقف في طريق نجاحنا في كثير من الأحيان هي ثقافة اللوم التي تعودنا عليها منذ الصغر.

في مجتمعنا كثير من المشاكل التي نحاول تجاهلها ونقنع أنفسنا بعدم وجودها، لكنها متعمقة وتؤثر في تفاصيل حياتنا سواء اعترفنا بذلك ام انكرناه، ومن اشد هذه المشاكل خطورة هي ثقافة اللوم؛ فهي اعمق المشاكل وهي تنمو وتتطور معنا في كل مراحل حياتنا. وثقافة اللوم تبدأ بالفرد، فالأسرة ثم المجتمع لتصب كلها على الدولة ككل، واعتقد أن هذه من اهم المشاكل التي نواجهها، وهي عدم تحملنا مسؤولية أخطائنا واستسهال لوم الاخرين لتبرير هذه الأخطاء.

وللتوضيح سأضرب بضعة أمثلة، ولنبدأ من الطفولة وأيام المدرسة عندما يكون التنافس الشريف وبناء الشخصية القوية الفعالة لدى الطفل هو الهدف الاسمى عند الام والاب، لكن ما يحدث انه وعند اول منعطف نكتشف ان الكثيرين يلومون المعلمة على اي خطأ يتعلق بسولكيات الطفل او دراسته، ويزرعون هذه الممارسة عند الطفل أيضا، فنحن نستسهل عبارة مثل: لم ينجح ابني لان المعلمة لا تحبه. أو لم يتم اختياره لفريق المدرسة لانه المدرب لا يحبه. أو تم عقابه لان المدير دائما ضد الطالب!!.. وهلم جرا. ولا نتردد في ترديد هكذا عبارات على مسامع الاطفال أنفسهم، والاسوأ أن طفلنا قد يعاني من الانعزالية او الوحدة او السلوك العدواني، ومع ذلك فاللوم يقع على اي شخص باستثناء ابننا وباستثنائنا. ونرفض ان نعترف بتقصيرنا او مسؤولية ابننا عن ما حدث. وطبعا نعزز هذا الشعور لدي الطفل. فيبقى يدور في هذه الدوامة طوال فترة المدرسة.

ثم تأتي حياة الجامعة وأيامها الصعبة، وهناك يصبح التلاوم اسهل لانه يكون قد تجذر في النفوس ورسخ بعد الطفولة عند كل الاطراف. فاذا لم ينجح الطالب في أي مساق يقع اللوم مباشرة على مدرس المادة، وتحت اي مبرر، مثل عدم اتفاقه مع الطالب او والد الطالب او حتى عم الطالب. وإذا تأخر الطالب عن الدوام يلوم ازمة السير، او وجود حادث، او تأخر الباص ولا يعترف انه غط في نوم عميق بعد سهرة طويلة مثلا، بل حتى إذا خسر فريق الجامعة اي مبارة نلوم الحكم، وطبعا هذا ينطبق على كل انواع الرياضة، فالحكم دائما (مغاوز) الا إذا فزنا.

ثم يتخرج الطالب ليخوض معترك الحياة ومعاركها وكله ثقه بأنه كامل. وأيضا كله ثقة أن الجميع ضده وهو دائما المظلوم.

وتبدأ معارك الحياة والكل في دوامة لوم الآخر على ما آلت إليه حياته وشؤونه. فإذا لم نجد وظيفة نلوم الواسطة، وإن وجدت الواسطة ولم تفلح نقول أن هناك من كانت واسطته أكبر، أو أن هناك من وقف في وجهنا لتوظيف ابن او ابنة مسؤول. وإذا لم نترقى في الوظيفة نلوم المحسوبية، حتى من يخسر عطاء عاما مفتوحا معلن الشروط والنتائج يلوم الآخر ويدعي وجود فساد سواء وجد لديه دليل او لم يوجد.. وعلى ذلك فقس.

ثقافة اللوم هذه تجلت موخرا وبوضوح في المشهد السياسي الأردني، فصرنا نرى المعارض يلوم الحكومة، والحكومة تلوم المعارض. والخاسر بالانتخابات يؤكد انها مزورة. والفائز يلوم زملاءه على هزالة دوره وأدائه..

وقد يكون أكبر وأوضح مثال على سيطرة هذه الثقافة هو ما نراه من مظاهرات وشعارات لا تقدم ولا تؤخر. فلم ار يوما يافطة تحمل فكرة تسهم في حل مشكلة البطالة او الفقر او المياه او ارتفاع الاسعار. بل حتى الاحزاب السياسية الراسخة في المعارضة والاعتراض لم تقدم يوما اي حل او مشروع عملي..فالجميع يتقاذف كرة اللوم ولا خاسر الا الوطن وأهله.

الديمقراطية والحرية يجب ان ترافقهما المسؤولية والتي للاسف نفتقدها منذ الصغر. لذا يجب أن نعمل على زرع روح المسؤولية وتحمل الأخطاء والاعتراف بها في انفسنا وانفس من حولنا, فالاعتراف بالخطأ فضيلة والاعتذار عنه شرف، ولا عيب في هذه أو تلك. وباعترافنا بأخطائنا نضع اقدامنا على أول طريق النجاح الحقيقي والثابت المبني على الافكار والبرامج.

أظن ان اولويتنا في المرحلة القادمة يجب أن تكون ايجاد الحلول والمخارج لما سلف من أخطاء بعد الاعتراف بها كاملة، وليس توجيه اللوم للغير بحق او بباطل. ويجب أن نعترف ان الاعتذار قوة وليس ضعفا، والفشل ليس عذرا وانما بداية جديدة وتجربة نتعلم منها، أولى اولوياتنا يجب أن تكون: لننبذ ثقافة اللوم التي تهدم حياة ولا تبني اوطانا.

1 Comment

Filed under All Articles, November, 2012

One response to “نحن وثقافة اللوم .. إلى متى؟

  1. لاننا مجتمع عربي ..لا نعرف ان نطور انفسنا ووطننا ..سوى باللوم اللوم فقط ..