يوم عَتِب الملك

ديما علم

حقيقة لا أعرف ما أقول ولا أظن أن هناك كلمات قادرة على وصف شعوري؛ فبعد سماع خطاب جلالة الملك الأخير الذي تحدث فيه إلى شعبه وأبنائه بمنتهى الصراحة تجتاحني موجة غير مفهومة من العواطف التي يختلط فيها الحب والفخر بالحزن والفرح. وأظن أن أجواء اللقاء ذاته كانت مفعمة بمثل هذه العواطف.
لا أظن أن أحدا توقع صراحة الملك هذه، عن نفسي أقول أنه فاجئني بشدة مباشرته ثم أشعرني بحزن عميق، فنظرته حملت كثيرا من العتب، نعم كان عتبا يطغى عليه الحب والتسامح الذي عهدناها من الهاشميين لكنه يبقى عتبا ويبقى فيه الحزن راسخا.
خطاب الملك بكل صراحته ومباشرته صفع أيضا وبقوة كل من كان يتنطع ويهذي بالقول أن جلالته غير متابع لدقائق وتفاصيل الساحة وما يقال في الشارع وفي التظاهرات، أو أنه يركن إلى أحاديث الحاشية والمقربين ولا يتابع تفاصيل حياة شعبه وبلده بكل دقائقها، فقد كان واضحا من الخطاب أنه يدري ويعمل، ويدري ويغفر.. يعمل عمل الناسكين بصمت، ويغفر مغفرة الأب الرحيم لابن عاق.
الملك أراد أن يَسمع من الجميع ثم يُسمعهم، وأراد إن يعطي الجميع الفرصة للتعبير عن كل ما لديهم، وربما كما نقول بالعامية (ترك لهم الحبل على الغارب) حتى لا يقال أنه ظلم أو قمع أو خرج عن نهج اختطه آباؤه وأجداده، فسكت حتى على من استغل هذه الفسحة للإساءة والشتم بدلا من النقد البناء المجدي والضروري.
في خطابه شعرت ان الملك يتحدث إلينا فردا فردا وفي هذا الوقت بالذات ليعيد كل منا ترتيب أولوياته، ولنتذكر جيدا أن لا وطن لنا إلا هذا الوطن، ولا أرض إلا هذه الأرض، ولا نظام إلا هذا النظام، واننا أولا واخيرا أردنيون قبل اي تصنيف سياسي ومهما علت بنا المراكز والرتب والمناصب.
لذا فإن عبدالله بن الحسين أكد أنه المواطن الأردني الذي يفخر بأردنيته ومواطنته قبل أن يكون عبدالله الذي ابتلي بهموم الحكم والرعية. لقد أحرجني تواضعه وأدمعت عيني و تألمت عن كل كلمة قالها مارق في حقه، وازددت فخرا بحكمته فعاد قلبي ليطمئن على وطني الذي أخافني عليه التجار والعابرون. ولقد شدتني نظرته العميقة الثاقبة وإحاطته بكل الشؤون إلى النظر نحو بعض من كان بين صفوف الحضور ممن شتم وهدد وأساء وأرغى وأزبد، وأظن أن اسوداد وجوههم يقول أنهم تمنوا لو أن الأرض تنشق وتبتلعهم لمحاولتهم هدم الوطن بركوب موجة هذا الربيع العربي بعد أن رموا وراء ظهورهم دورهم الذي صنع كل ما آلت إليه الأمور، ورغم كل ذلك كانوا على رأس المكرمين بالدعوة إلى بيوت الهاشميين، بل والجالسين في الصفوف الأولى، وكأن سيد البلاد يقول لهم أنه يرد السيئة بالحسنة ويدخلهم داره ليؤمّنهم على أنفسهم، بعد أن تجاوزت سفينة الوطن خطر العاصفة وأخذوا يضربون أخماسا بأسداس من سوء ما صنعوا.
في خطابه أثبت لنا الملك أننا وهو أولنا، لسنا إلا جنودا لكل دوره في بناء الوطن… كلنا جنود وكلنا شركاء وكلنا رابحون بربح الوطن أو -لا سمح الله- خاسرون إن خسر، فكل منا جزء من هذه الدولة وهذا البلد الذي بناه أجدادنا مع أجداده و آباؤنا مع والده الحسين الباني وسنكمل المسيرة مع شريكنا وأخينا وقائدنا عبدالله الثاني .. حفظ الله الأردن وشعبه ومليكه من كل سوء.

2 Comments

Filed under All Articles

2 responses to “يوم عَتِب الملك

  1. Asma

    This is so true… And beautiful thanks

  2. انه عتب على بعض ابناؤه الذين عندما يكونوا في الحكومه لا يتكلمون ودائما كل الوضع تمام .اما حين يخرجون يهاجمون النظام ..وعتبه على بعض افراد الشعب الذي اصبحوا كالببغاوات يرددون كلما يسقط النظام ..انشالله تسقط قلوبهم..فلينظروا الى الدول التي حدثت بها الثوره كبف اصبحت متخلفه وخرج السلفيين المتخلفين من جحورهم والاخوان المتسلقين الذين كانوا جيعانين سلطه ويريدون ان يلتهموا السلطه (بضم السين)..نحن فدا الوطن وفدا ابو حسين حبيب الشعب ..فلا تؤاخذهم سيدي فانهم لا يعلمون