نعم .. الشعب يريد الأمن والأمان

ديما علم

من اسوأ طباع البشر انهم لا يقدرون الشيء حق قدره الا بعد فقدانه، وللأسف فان العرب اكثر اهل الارض ارتكابا لهذه الخطيئة، حتى زخر موروثنا الشعبي بأمثال التندم والتحسر والترحم على كل ما فات ومضى دون ان نعطيه حقه من الاكرام.

وفي بلاد العرب عامة وفي الاردن خاصة وفي ظل الوضع الراهن من القلاقل السياسية، سمعنا كثيرين يتشدقون بما لا يعرفون او يفقهون من الاستهزاء والاستخفاف بالأمن والاستقرار الذي كان وما زال يسود بلدنا، وقد تجاوز الأمر جموع مراهقي السياسة وصبية النضال المصطنع الذين لا يفقهون من تاريخ البلد ومفاصل حياته، ولا من الدنيا، كثيرا او قليلا ليصل خلال السنتين الماضيتين الى بعض كتاب المقالات والصحفيين ممن راقهم ركوب موجة ما يسمى ظلما بالربيع العربي.
وهنا لا بد من القول ان ما يحاول هؤلاء الترويج له من ان الدولة هي من تعيّر مواطنيها او تتغنى بالأمن والأمان هو محض كذب وبهتان اختلقوه، فلم اسمع يوما مسؤولا تحدث عن هذا الأمر على انه منة، فالدولة تدرك ان هذا واجبها الذي لا حيدة عنه، بل هوفي صميم واجبات الدولة ومقوماتها الرئيسية بحسب كل النظريات القانونية والسياسية، بل واكثر من هذا فان الأمن والأمان هو من نعم الله التي يمن بها على خلقه ويذكرها اسما ووصفا في كل الشرائع والكتب السماوية دونا عن كثير مما انعم، وهي من أهم ما دعي به الانبياء لأتباعهم وأممهم، لذا ورغم ان الدولة الاردنية لم ولن تمن او تعاير مواطنيها بهذه النعمة، فان لسان الشعب الذي يرى ما يجري حوله من ذبح وقتل وتدمير في كل المنطقة، يلهج حامدا على ما انعم الله عليه من أمن وأمان واستقرار، حتى يفخر الاردني انه لو بات وباب بيته مفتوح ما خشي ولا حتى غوائل السباع.
ورغم ما سبق ما زال غائبا او مغيبا عن اذهان البعض فكرة ان الأمن والأمان هما حياتي وحياتك وحياة الأجيال. نعم، هو حق وليس منة من أحد، لكن عندما تراه مسلوبا من سواك يجب ان تتمسك به وتحافظ عليه وتعلم ان دولتك ما زالت تمتلك أهم مقومات الاستقرار الذي هو أساس الحضارة والمدنية، وبهذا فهي في الاتجاه الصحيح، فقد يحيا الانسان بلا مال او جاه او تظاهرات او (فوسفات)، لكنه لا يحيا وهو يرى فوهة بندقية موجهة نحو رأسه ورأس احبائه صباح مساء.
نعم، الأمن والأمان بالنسبة للشعب يجب ان يكونا الأهم والأغلى وهما فعلا كذلك فسواء أقر مراهقو السياسة بذلك أم لا فان الأمان هو ما سيطعمك ويحييك ويسعدك، ولا أدل على ذلك من كلام اصدقاء من دولة تعتبر من اغنى الدول لكنها تعدم الأمن والاستقرار عندما قالوا لي: في بلدنا توجد كل الثروات المعدنية ومن اغنى الدول واكثرها رفاهية لكن يوم فقدنا ما كنا نظنه ثانويا وهو امننا واستقرارنا فاننا اليوم مستعدون للمقايضة معكم.. نعطيكم كل ما نملك ولا نريد الا أمنكم!!.. نعم يريدون أمنا وأمانا، يريدون ان يناموا بلا خوف وبلا رعب. فأطفالهم فقدوا طفولتهم. وامهاتهم فقدن فلذات اكبداهن.
وقد اثبت الواقع العملي ان فقدان الأمن والأمان باسم التحرر والديمقراطية لن يخفف الفساد ان كان موجودا بل يزيده. ولن يخفف البطالة والفقر ان كانا متفشيين بل يزيدهما، لكن مع فارق بسيط هو تعبيد الشوارع بالدماء والأشلاء، بين قتيل وجريح وثكلى ويتيم، ولن ينتج عن فقدانهما جيل حر بل سيكون جيلا يفتقد للثقة وللحب والحنان والاطمئنان، جيل مكلوم سيلوم الاجداد على فقدان أهم سبب للبنيان.
هذا الربيع العربي اعطى البعض صناديق انتخاب ما زلنا لا نعرف أصدئة كانت أم شفافة لكن وعلى كلا الحالين فقد سلبهم أهم حق لدى الشعوب وهو الأمن والأمان، ومنذ ان خرج من بيوتهم هذا التوأم من اوسع الابواب فانني انتظر خروجهم بالملايين غدا او بعد غد في دول هذا الربيع هاتفين مرددين: الشعب يريد الأمن والأمان. ولكن ألن يكون قد فات الأوان؟!.

Comments Off on نعم .. الشعب يريد الأمن والأمان

Filed under All Articles, October, 2012

Comments are closed.