قصتي مع حقوقي المنقوصة

ديما علم

كثرت الأحاديث مؤخرا عن الحقوق المنقوصة، وكثرت المقالات والمطالبات والرسائل، قليل منها ببعض حق وأغلبها بغير حق، ولأنني أعرف الظلم بعد أن عشته وجربته أحب ان أسرد عليكم قصتي مع حقوقي المنقوصة ومن انتقصوها:

 بحسب شهادة التسنين التي أصدرها لي أولادي بعد أخذ ورد ومعارك مع ألف جهة وجهة، فإن عمري يقارب السابعة والستين، لكنني أعلم أن عمري يجاوز أعمار 100 شجرة بلوط مجتمعة، بل أشعر أنني أكبر من ذلك، فمنذ وقفت وحدي على قدمي وانا في صراع بعد صراع.

 عائلتي كبيرة وما زالت مرشحة للزيادة أكثر، لكن مشاكلها أكثر وأكبر.. ولأنني في وسطها والقريب من الجميع كنت دائما واسطة الخير، احاول جهدي ان ارضي الجميع. ودائما ينتهي بي الأمر بأن أدفع ثمن أخطاء لم أقترفها ومشاكل لم أختلقها.

 ككل عائلة كبيرة كثيرا ما دخلنا في أتون مشاكل مع عائلات وأفراد آخرين، لكن يشهد الله أننا لم نكن يوما باغين أو معتدين، لكننا خسرنا أفراد من عائلتنا بين أسير وجريح وشهيد، ومنا من خسر مستقره وداره، وعندها رأيت جحود الأخ بأخيه فقررت ان اتبنى أبناء أختي هؤلاء على فقر حالي وضعف جانبي، وهاهم يعيشون في كنفي كأبنائي نتقاسم معا كل شيء على السراء والضراء. يجمعنا الفرح والحزن خاصة وقد بذلت جهد الجهد الا اميز بين الاولاد. كبرت أسرتي الصغيرة وتزوج الابناء والبنات ورزقنا بالاحفاد، وكبر الحمل والمسؤولية، لكن بفضل  الله وحمده استطعنا ان نعيش كلنا بكرامة تحت سقف واحد.

 لكن مرة أخرى عادت المشاكل تدق باب عائلتي الكبيرة، ومرة أخرى نزفت قلوبنا ونحن نخسر فردا آخر من العائلة، ومرة أخرى وأمام جحود الاخوة الاكبر والاقدر عدت فتبنيت أفراد اسرته، وازداد الحمل لكنه مهما ثقل يبقى على قلبي رقيقا لطيفا، فأي سعادة كسعادة الابوين وهما يريان اسرتهما تكبر ومنجزاتها تزداد، نعم نحن أسرة فقيره بالمال لكننا أغنياء بالحب والخلق والكرامة.

 كبر الأولاد والاحفاد.. وتخرّج منهم الضابط، والطبيب، والمهندس والحرفي، وأفخر أن من أبنائي عمال وطن يكدحون ليل نهار لأجل كل واحد منكم، واختلفت الاهتمامات بين أفراد أسرتي وتعددت، وكأي عائلة كبيرة واجهنا الصعاب والمحن، وكبرنا وكبر همنا، وانشغل كل بأسرته الصغيرة وعمله وهم دنياه. وبدأت الوحدة تدق بابي، وقد هجرني بعض أولادي فلا يتذكرونني إلا في عيد أو مناسبة أو إذا أرادوا مصلحة أو مكسبا. وبدأت أرى أن الزمن ظلمني ولم يعد يذكرني، وأن بعض أولادي ممن أفنيت لهم جسدي ومالي وجهدي ومنحتهم اسمي، وصغت شخصياتهم ومنحتهم هوياتهم وفتحت لهم أبواب العالم أنكروا فضلي وأنكروا اسمي وتراكضوا يرتمون في أحضان غيري. بل أن بعضهم ما كفاهم جحودهم لي، وانشغالهم عني، فتراه كلما قاده سوء عمله واختياراته في حياته لخطأ أو خطيئة التف نحوي يلوموني ويقرعني ويحملني الذنب!!

 أناشدكم الله والرحم أليست حقوقي منقوصة؟ وعتبي عليكم ان كل واحد منكم انشغل بنفسه حتى استساغ أن يشيح بوجهه عن الظلم ولو وقع لأقرب المقربين منه.. إنني أقول هذه الكلمات وقلبي يعتصر، فليس من طبعي ان أشكو اولادي. ولا أن أمنّ عليهم بما قدمت لهم وما ضحيت به من أجل كريم عيشهم، لكن النفس تضيق أحيانا بما فيها.

 أسألكم: أليس من حقي أن أسمع كلمة شكر؟ وأن أنظر إلى عائلتي الكبيرة وهي تكبر وتعمّر الدار بدل أن تتناحر وتهدم كل ما بنيت؟ أليس من حقي أن أكون أول أولوية في حياة من أنجبت ومن احتضنت ومن ربيت؟ أليس من حقي أن أكون في صميم ضميرهم وأن اطمئن بعد هذا العمر إلى أنني في أيد أمينة وأن أولادي هم ذخري وسندي.

 نعم حقوقي منقوصة.. وأشعر بغضب عارم تجاه أولادي الذين وعدوا أن يحفظوني ويحفظوا كرامتي، وتعهدوا أمامي أن لا تقع بينهم الشحناء والبغضاء كما وقعت بين بني عمومتهم.. فلا أوفوا بهذه ولا تلك.

 حقوقي منقوصة.. فلم أتوقع أن ينسى أيّهم الفضل ويتشبث بالهفوات، لكنهم رموا كل سنين الخير وراء ظهورهم وطعنوني وطعنوا بعضهم بسكين الهفوات والنزوات.

 حقوقي منقوصة لكن في قلبي أمل باق أن في كثير من أولادي خير، ولا بد سأراهم يحتضنون إخوتهم ويعيدوا ترابط أسرتنا الصغيرة وعائلتنا الكبيرة. أسرتنا التي تسبب الغيرة للجميع. أسرتنا التي كانت وما زالت في وحدتها أكبر وأقوى من أي ريح أو عاصفة.

 نعم حقوقي منقوصة.. لكنها ستعود لأنها بيد أولادي الذين أحسنت تربيتهم، وأعرف طيب منبتهم.. فهم أولادي، فلذات أكبادي؛ من لحمي أطعمتهم؛ ومن مائي سقيتهم وفي قلبي أنشأتهم وربيتهم.

 اعذروني إن أطلت عليكم وأكثرت الشكوى.. لكن القلب المهيض إن لم يبث شكواه لمحبيه ضاق واختنق.. واعذروني إن نسيت في غمرة الحديث أن أخبركم باسمي.. أنا يا أولادي اسمي الأردن…

Comments Off on قصتي مع حقوقي المنقوصة

Filed under All Articles, October, 2012

Comments are closed.