فزعة ناشط

ديما علم

كثر استخدام لقب أو وصف (ناشط) في الأردن والوطن العربي في الآونة الأخيرة، حتى وصلا حدودا مثيرة للضحك، فبعد أن كان (الناشط) إما سياسيا أو ناشطا في مجالات المجتمع المدني، ظهر لدينا ناشطون (إلكترونيون) أو ما يعرف بمناضلي الشاشات، وأصبحت كلمة ناشط فيسبوكي مثلا غير مستهجنة خاصة في بعض دول الجوار، بل أصبحت كلمة ناشط أهم من لقب دكتور أو أستاذ. وأصبح كل من وقف على دوار او كتب مقالا يوصف بالناشط. لكن نشطاء الأردن لهم صبغة خاصة.

 ففي كل العالم الناشط هو من يؤمن بقضية واحدة ويسخر كل جهده للدفاع عنها، ولا بد أن يمتلك حلولا وبدائل للواقع الذي يراه إشكاليا ويعترض عليه. أما صديقنا (الناشط الأردني) فهو عادة ناشط في كل القضايا  كبيرة او صغيرة, وجاهز للتحرك في كل حدث شرط أن يتضمن لوما للدولة والحكومة. فنجده يتنقل من دوار إلى ميدان إلى حي سكني في نفس اليوم. حاملا في جعبته أو صندوق سيارته تشكيلة واسعة من اليافطات والشعارات، فواحدة ضد التطبيع وأخرى ضد الحكومة وثالثة ضد نظام هذه الدولة أو تلك وهلم جرا, وكلها يستخدمها ذات الشخص في ذات اليوم، حتى لم نعد نحن المراقبون نعلم ماذا يريد هذا أو ذاك وبماذا يهتفون ومن يمثلون, فكيف بهم هم؟ أحقا ما زالوا قادرين على التركيز أو حتى ترتيب الأولويات؟ فلشدة سرعة تقافز هؤلاء النشطاء بين القضايا والمواقع أصبحنا نظن أنه تم استنساخ البعض منهم لكثرة ما نشاهد نفس الأشخاص وذات الوجوه تتقافز  بين مواقع الاعتصامات وبالطبع بين المواقع الالكترونية

 فرأيناهم يتضامنون مع المعلمين وهتفوا ودبكوا لهم. ثم تضامنوا مع المتقاعدين العسكريين. ثم تضامنوا مع الفنانين. ثم تضامنوا مع الشعب السوري والليبي والتونسي والمصري، ولو وقع أمر في زيمبابوي لتضامنوا معه. والمشكلة أنهم يتضامنون مع أي وكل مُطالب سواء كان مطلبه حقا او باطلا, حتى أنهم تضامنوا مع المجرمين من فاسد إلى لص إلى بلطجي!

 في إحدى المرات مررت بالدوار الثامن في موعد اعتصام لأفاجأ بثمانية أفراد معتصمين يعيقون حركة المرور وكل من في الشارع يتفجر غضبا لتعطله. لكن ما لفت انتباهي أكثر من سواه هو التشتت في المطالب, فكل شخص يحمل لافتة من واد مختلف (ضد الخصخصة، حل مجلس النواب، تضامن مع سجين، ضد فاسدين، ضد رفع الأسعار، ضد قانون الانتخاب، تعديل الدستور، ضد قانون المالكين والمستأجرين) صراحة هنا ينطبق المثل: شر البلية ما يضحك. ثم يطالبنا هؤلاء أن نساندهم.. ففي ماذا نساندكم وأنتم لا تعلمون ما تريدون؟

 وقد يكون من أبرز أمثلة تخبط (الناشط الأردني) موضوع الأيتام، فرغم أن مطالب هؤلاء كانت معيشية بحتة حاول النشطاء تسييس المسألة للتجييش ضد الدولة. وبالطبع لا ننكر أن هناك تقصيرا سواء من الدولة أو من المجتمع تجاه الأيتام لكن ما قام به النشطاء كان مثيرا للشكوك في أسلوبه وتوقيته وانتهى به الحال بأن أضر بالايتام ومن تضامن معهم أضعاف ما نفع. خاصة قيام (النشطاء) باختلاق كذبة إجهاض إحدى المعتصمات بسبب الضرب ومحاولة تهييج البلد والتجييش ضد الجهاز العسكري الأردني، والحمد الله لصدق أولاد الحلال من الأيتام الذين كذّبوا أقاويل النشطاء ووضعوا حد لمحاولات الفتنة والشغب.

ثم طالعونا بموضوع اللاجئين السوريين الذين نشعر معهم ونأسف لحالهم. وكم شعرت بالفخر بأبناء بلدي وتطوعهم لمساعدة اللاجئين سواء بتقديم منازل بدون إيجار لإيوائهم, أو أراض بآلاف الدونومات لمخيماتهم، لكن ومع كل احترامي لما سبق يراودوني السؤال: لماذا لم نسمع بتطوعكم لأيتام وطنكم أو الإنفاق طوال الأوقات السابقة على جيوب الفقر في الأردن؟ لماذا هذه البيوت لم تعط لأيتام أو فقراء الوطن؟ أليس الأولى مساعدة ابن بلدك؟ هل فقير الأردن فقط مسؤولية الدولة؟  هل الأيتام الذين بلا مأوى منذ سنوات لا يحركون شيئا داخلكم؟ أليس علينا مسؤولية اجتماعية تجاه أبناء وطننا؟ بل والانكى أن الأردن الفقير القليل الموارد والمقدرات كلما حاول ضبط عمليات اللجوء قامت الدنيا ولم تقعد. بينما عندما أعلنت تركيا إحدى أقوى اقتصاديات العالم أنها لا تستطيع أن تستقبل أكثر من 100 ألف لاجئ سوري فقط لم نر أي استهجان من شعبها. فلماذا يا ترى؟ ربما لأن مصلحة  تركيا هو الأول على سلم الأولويات للشعب التركي ونشطائه؟

من أهم ما يميز الناشط الأردني كذلك هو عدم اعترافه بالحرية المسئولة  فبرأيه الحرية هي حرية مطلقة ومن حقه الشتم والذم والقدح والتشهير والخوض في ذمم الناس وأعراضهم دون دليل أو برهان، وبصورة عجيبة يعتبر أن كل من اعتلى سلم المسؤولية يكون قد أباح عرضه للناس لتخوض فيه!! بل ويعتبر النشطاء هذا الأمر حقا لهم!!. فأصبح كثير منهم خبراء في الشتم والردح  أما الاحترام والأخلاق والتقيد بالقانون تعتبر تقييدا للحريات في عرفهم السقيم.  فنسوا الوطن والإصلاح والثوابت الأصيلة وأصبح التنافس على (احلى مسبة على الدوار) او (اجمل هتاف مسيء رنان) هو قمة ما يسعون إليه. فأصبحت بعض اعتصاماتهم أشبه بالمواقع الإباحية لا يمكن الاقتراب منها لمن هم دون الـ18 من العمر لكثرة ما فيها من البذاءة في اللفظ والتصرف

كل ما أوردته سابقا يؤكد أن ما يقترفه النشطاء من نشاط زائد كان وما زال لا يزيد على الفزعة … لذلك يا عزيزي الناشط يا من جئتنا من رحم الغيب ونزل عليك النشاط فجأة  اعلم أن حبك لوطنك وفزعتك له لن تأتي بنتيجة إلا  بالتأني وتحديد الأولويات واقتراح الحلول لا بالشتم والذم والدبك والرقص والشعارات المهينة التي لا تمت للإصلاح بصلة. يا ناشط ساند وطنك  فها هو جيشك على الحدود في حال لا يحسد عليه, وجهاز أمنك منذ شهور لم يرتح يوما من كثرة مطالبك.  وأظنه حان الوقت لتظهر فزعتك لأردنك الحبيب لأنه اليوم بحاجة لك. وطنك بحاجة لكل أردني ذو بوصلة وطنية صادقة ودقيقة لا ترى إلا الوطن ، بحاجة لكل أردني ذو ضمير حي وواعي ليميز بين الخطأ والخطر. فكونوا جنود الوطن الأوفياء وكونوا درع هذا الوطن  لا عبء عليه.

2 Comments

Filed under All Articles, October, 2012

2 responses to “فزعة ناشط

  1. whatever

    logical way of handling the situation …thank you
    but i guess you should write in a variety of topics i noticed you concentrate on one …this is not a criticism ..it just i love to read more from what you write

    • Thank you dear. You do have a point i guess those days i am concentrating on this issue. But i will try to versify the articles. Thank you again for your support