هكذا نسينا أننا أردنيون…

ديما علم

من أهم ما اثبتته فورة التحرر والربيع في بلدنا أننا مجتمع سريع التعصب والتحيز والتنابز بالالقاب تجاه كل من يخالفنا الرأي, وهذا اكبر دليل على عدم ايماننا بالديمقراطية بل وديكتاتورية كل منا في داخله وهذا

ما يستوجب ان الاصلاح لا بد ان يبدأ منا وبنا. فقد اصبحت اللغة التي نتعاطى بها مع بعضنا البعض لغة غريبة بل مؤلمة.

في بداية استخدام تويتر في الاردن كوسيلة للتواصل الاجتماعي كنا كلنا اردنيون يغرد كل منا بما هو جميل ومفرح. نغرد عن الصحة والجمال, نغرد اشعارا واغاني تبعث على السعادة. نحيي بعضنا البعض بتحايا الصباح والمساء ونتبادل احاديث ذات اهتمام مشترك بأسلوب راق ولبق فقد كان ما يجمعنا هو الاردن وحبنا له.

للاسف لم يدم هذا الحال, فبعد انتشار عدوى الفورة السياسية والربيع العربي كشر الكثيرون عن انيابهم وانا منهم. وكلنا ندعي الديمقراطية ولكن في داخل كل منا دكتاتور يسيطر على العقل والقلب والتصرفات.

 فمثلا تم تصنيفي إلى (موالية) بعد أن كنت لا اعرّف نفسي ولا يعرفني الناس الى بأنني (أردنية), وحدث التخندق بين موالاة ومعارضة, رغم التوافق العام على ان الجميع (الموالاة والاصلاحيين) لا يتعارضون مع النظام الحاكم كون ملك البلاد هو اول من دعى إلى الاصلاح, لكن مع هذا تم إلصاق هذا اللقب بي وبالكثيرين سواي. طبعا لا اعترض, فهو بالنسبة لي وصف افتخر به. لكن برأيي فإن الاصل أن كل اردني هو موال وإن تحفظ أو عارض نقاط ومسائل معينة, لكن الاصل أن يحافظ على ولائه للدولة ككل ونظامها الحاكم, ومن هنا جاء اعتراضي.

ثم تطور الأمر واصبحتُ وسواي ننعت (بالبلطجية), ببساطة لأن لدينا موقفا مخالفا للمعارضة. طبعا كلمة (بلطجية) كلمة مستوردة -مثل أشياء كثيرة استوردها البعض وألصقوها بنا وبمجتمعنا مؤخرا- واكرهها جدا, لكن اصبح كل من هو ضد المعارضة , وضد التظاهرات العشوائية, وأصبح كل من يؤمن بالحوار سبيلا للحل والوصول الى التوافق يصنف كبلطجي! لذا قررت (أنا البلطجية) ان ادعو كل من يعارضني بالبلطجي ايضا, فاصبحنا كلنا بلطجية, يجمعنا حب الوطن ويفرقنا الاسلوب. ولكن فكرنا الضيق اوسع من تفهمنا لبعضنا البعض وتفهمنا لخلافاتنا.

توالت الاحداث والتطورات وتم الإنعام علي بترقية استثنائية فأصبحت (سحيجة), والسحجة هي من صميم التراث الاردني ولن اعترض على اللقب. وبغض النظر عن الاسقاط الثقافي ومع افتراض حسن النوايا سأقول انني صنفت كسحيجة كون السحجة تتضمن التصفيق والغناء تبعا لقائد الحلقة. وهكذا اصبحت (سحيجة). ومرة أخرى اصبح أيضا كل معارض سحيجا للمعارضة. وسحيجا لصالح كل من يشتم الدولة والنظام كونه هو  يردد ترديدا مقادا.  وكشهادة للتاريخ لا بد من تسجيل محاولات البعض من صفوف الناشطين والمعارضين تحويل السحيجة, من سحيج إلى قطروز, لكن كانت تلك محاولة فاشلة لم يكتب لها النجاح!!

 طبعا وفي فترة ازدهار (العصر البلطجي) كان مصطلح (الحراك) ولقب (حراكي) ينتشر كانتشار النار في الهشيم, لكنني ورغم محاولاتي العديدة لا اعرف حتى الآن من هم (الحراك) ومن هو (الحراكجي) وما اهدافهم –وبصراحة لا أظنهم أنفسهم يعرفون أو على الاقدر يتفقون-. لذا اصبح كل من يعارض وخاصة من يعارض لأجل المعارضة هو جزء من هذا الحراك برأيي. فكل من يقف على دوار هو حراك. وكل من يشتم هو حراك. وكل من يغلق شارعا هو حراك, واصبحت كلمة حراك في قاموسي نوعا من الإساءة, وما يعزز هذه القناعة أن كل من أسأله إن كان من هذا الحراك أو أصفه بأنه حراكجي ينفي ذلك كمن ينفي عن نفسه تهمة, وكل من اسأله من المعارضة او ما يعرف بالاصلاحيين عن أهداف هذا الحراك يكون جوابه (لا أعرف)!!

 قبل مدة جاء موعد تجديد بطاقتي الشخصية, ودخلت إلى دائرة الاحوال المدنية وطُلب مني أن اقف في الطابور حتى يأتي دوري، عوملت باحترام نعم. لكن لم يسألني احد عن لقبي سواء أكنت  سحيجة ام حراكجية ام ناشطة! ولم تختلف طريقة تعاملهم معي عن اي شخص آخر مهما اختلفت نظرتنا للمستقبل او توجهاتنا السياسية. لقد كانت تلك تجربة ايقظتني واظهرت لي انه رغم كل ما نوصف به أو نطلقه من نعوت, ومهما ارتقينا في المراتب والصفات والمواقع لا شيء يرفع ويرتقي بنا  فوق اننا أردنيون.

نعم أنا وانت اردنيون, سواء تواصفنا بأننا بلطجية أو سحيجة أو حراكجية.. فكلنا يجمعنا رابط واحد هو الحب الموجه نحو وطن واحد هو الاردن.ويجمعنا قائد واحد هو عبدالله. ويجمعنا امل واحد هو مستقبل افضل لنا ولأولادنا. ويربطنا تاريخ واحد كتبه اباءنا واجدادنا مع الحسين الباني والهاشميين تاريخ يشهد له ويفتخر به الجميع.

 نعم؛ لقد كانت تجربة أعطتني الكثير من الوعي, وهي أن الاردن اكبر مني ومنك. الاردن ليس نقاشا على تويتر او صفحة على فيسبوك وبالتأكيد هو ليس (دوار). الاردن وطن وتاريخ يشهد له الجميع. الاردن بلد صغير المساحة والامكانيات ولكنه يبقى كبيرا في نظر الجميع. وبكل تأكيد فالاردن بحاجة لكل موال ومعارض, لكل بلطجي وسحيج حراكجي ليقول كلمة حق, ليقول بقلب صاف نقي نقاء هذا البلد وهذا الشعب وبالفم الملآن: أنا أردني وهذا وطني وسأبقى السند له في السراء والضراء.

Sent from my BlackBerry® smartphone from Zain Jordan

Comments Off on هكذا نسينا أننا أردنيون…

Filed under All Articles

Comments are closed.